العطاء كأحد ممكنات القطاع غير الربحي

يمثل القطاع غير الربحي ثالث مكونات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة مع القطاع الحكومي والقطاع الخاص، ويحتل حيزاً مهماً من الثروة القومية في العديد من الدول المتقدمة ويعد جزءاً أساسياً من شبكة الأمان الاجتماعي، حيث يعكس صورة من صور التكافل الاجتماعي بين المواطنين، كما له دور هام في تحقيق الحماية الاجتماعية لأفراد المجتمع بتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للمواطنين، وتحسين جودة حياتهم وتقليل المخاطر التي قد يتعرضون لها، ودعمهم عند الحاجة في مراحل حياتهم المختلفة لضمان حقهم في العيش الكريم والحد من الفقر والضعف والإقصاء للفئات الأقل حظاً في المجتمع.

كذلك لمنظمات القطاع غير الربحي دور هام في تحقيق منعة للمجتمعات التي تعمل بها (Community Resilience) بحيث تعمل على جعل هذه المجتمعات قادرة على الصمود والتعافي بعد تعرضها لصدمات أو أزمات أو كوارث بكافة أنواعها من خلال استخدامها لمواردها المتاحة بفاعلية، والتعامل بمرونة مع كافة أنواع المخاطر التي تتعرض لها المجتمعات بدلاً من معالجة آثارها، وتمكينها من التعافي بشكل أسرع.

“يعد القطاع غير الربحي جزء أساسي من شبكة الأمان الاجتماعي، كما له دور مهم في تحقيق الحماية الاجتماعية في المجتمع”

وقدّر عدد المنظمات في القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية في عام 2018م بحوالي 2600 منظمة ربعها في قطاع الدعوة والإرشاد والربع الثاني في التنمية والإسكان في حين كان نصيب المجال الصحي والتعليمي أقل من % 4 وبقية المنظمات تتركز في مجال الخدمات الاجتماعية.

رغم أن مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي السعودي لا تزال ضعيفة، لكنها تنمو بوتيرة مشجعة حيث تفوق القطاع غير الربحي منذ عام 2013م في معدلات نموه على معدل نمو الاقتصاد السعودي كاملاً، فقد بلغ معدل النمو السنوي لمساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي %10.45 ، وهو ما يتسق مع معدلات نمو القطاع في الدول الأخرى.

وحظي القطاع غير الربحي بنصيب كبير من الاهتمام في رؤية 2030، حيث أوكل إليه تحقيق عدد من الأهداف في محور “وطن طموح. مواطنه مسؤول” تمثلت في العمل على رفع مساهمة القطاع غير الربحي من 0.03% إلى 5% من الناتج المحلي، ورفع نسبة المشروعات ذات الأثر الاجتماعي من 7% إلى 33%، والارتقاء بترتيب المملكة في مؤشر رأس المال الاجتماعي من المرتبة 26إلى المرتبة 10 عالمياً، والوصول إلى مليون متطوع بحلول 2030.

والمجتمع السعودي مجتمع يتسم تاريخياً بالعطاء استناداً إلى رأس مال اجتماعي قوي، وثقافة دينية تحث على مساندة الآخرين “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” وقيم اجتماعية متأصلة في البيئة السعودية، واستطاعت المملكة بعطائها الخيري أن تحدث فرقاً على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي حيث أصبحت من الدول الرائدة في مجال المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء العالم.[1]

ويشكل العطاء بصورة المختلفة أهم رافد من روافد القطاع غير الربحي فهو أحد الممكنات التي تساهم في تحقيق أهداف القطاع الاستراتيجية الوطنية وأهداف رؤية المملكة 2030، إضافة إلى الممكنات الاخرى كالتشريعات والسياسات والأنظمة والدعم الحكومي وتمكين البيئة، كما للعطاء دور في نمو القطاع غير الربحي واستدامة الخدمات في منظماته مما يزيد من قدرة هذه المنظمات على تحقيق أهدافها والاستجابة لحاجات المجتمع المتجددة والمتغيرة والأكثر إلحاحاً وأولوية.

ويتكون العطاء في القطاع غير الربحي من ثلاث روافد تتكامل في أهميتها وتحقق التوازن للقطاع ككل فلا يمكن الاستناد على أحدهما دون الآخر، ويمكن توضيحها في التالي:

−        عطاء الأفراد: كثيراً ما يقتصر مفهوم عطاء الأفراد في الأذهان على التبرعات المالية إلا أن تنوع عطاء الأفراد يجعل اختزاله بالتبرعات المالية أمراً قاصراً، فتتنوع صور عطاء الأفراد في المجتمع وتتعدد على سبيل المثال لا الحصر، التبرعات المالية سواء للجهات الرسمية المتخصصة بجمع التبرعات أو للمحتاجين مباشرة و المساعدات العينية كذلك من غذاء وأجهزة طبية وأثاث وملابس وغيرها، وتعتمد الجمعيات الأهلية في المملكة على التبرعات النقدية والعينية بنسبة 38% كمصدر من مصادر إيراداتها التي تعتمد عليها لتحقيق استدامتها المالية بالإضافة إلى مصادرها الأخرى للإيرادات كالدعم الحكومي المقدم للجمعيات والأوقاف وغيرها، والجانب الآخر لعطاء الأفراد يتمثل في التطوع وهو قوة المجتمعات وطاقتها النابضة؛ فبلغ عدد ساعات التطوع لدى الأفراد في المجتمع السعودي 100 ساعة تطوعية سنوياً في 2018 فيتبرع الأفراد عادة بوقت معين خلال فترة زمنية معينة لتقديم خدمة للمجتمع عن طريق منظمات القطاع غير الربحي أو بشكل فردي، كما يتطوعون بالعلم والمعرفة التي يمتلكونها لجهة معينة، فضلاً عن التبرع بالدم والأعضاء وهو من أسمى صور العطاء امتثالاً لقول الله تعالى( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).

−        عطاء قطاع الأعمال: من منطق المسؤولية الاجتماعية والتزام قطاع الأعمال نحو القضايا الاجتماعية الأكثر إلحاحاً وأعلاها أولوية وأهمية، فان عطاء قطاع الأعمال يتمثل بالتزامه في تمويل المبادرات الاجتماعية الاقتصادية بالشراكة مع منظمات القطاع غير الربحي، كذلك التزامه نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية الوطنية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، حيث لا يقتصر على تقديم العطاء المالي؛ بل يتجاوز ذلك  في استثماراته نفسها وتغطيتها للمناطق الأكثر حاجة،  ومراعاته للقضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية، كما يتمثل أيضا في مدى تبني إجراءات وسياسات تمكن العاملين به والفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

−       عطاء المؤسسات المانحة والأوقاف:  فتشكل الأوقاف وزناً كبيراً في القطاع غير الربحي، وتحتضن المملكة أوقاف توازي أوقاف عدة دول مجتمعة؛ حيث تقدر قيمة الأوقاف العامة الخاضعة لإشراف الجهات الحكومية في المملكة 45 مليار ريال أما الأوقاف الخاصة فتقدر قيمتها بـ300 مليار ريال سعودي، مما جعل رؤية المملكة 2030  تعول عليها باعتبارها الممول الأكبر والمستدام للقطاع، حيث تقوم الأوقاف و المؤسسات المانحة -التي تمتلك وتدير جزء من هذه الأوقاف- بدور حيوي في هذا المجال من خلال  منح للجمعيات الأهلية أو المنظمات غير الهادفة للربح، وتقديم مشاريع اجتماعية متعددة ومتنوعة، وتتنوع وتتباين القطاعات التي تعمل بها المؤسسات المانحة في المملكة احتل النصيب الأكبر منها في المجال التعليمي بنسبة 71% يليها قطاع الأسرة والصحة وتنمية المجتمع المحلي ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وتأهيل الشباب لسوق العمل والرياضة والثقافة والفنون.

يتميز العطاء في المجتمع السعودي بالشمولية والتكامل

ولا يمكن الاعتماد على أحد هذه الجوانب في العطاء دون الآخر فلا يمكن الاستناد على عطاء المؤسسات المانحة والاوقاف دون الأفراد الذين يدفعهم حب الخير للبذل للمحتاج بكافة الصور والأشكال، ولا يمكن الاستغناء عن عطاء قطاع الأعمال الواسع في عدة مجالات وبعدة أوجه، فتتضح هنا أوجه المشاركة الفاعلة بين أفراد المجتمع وأجهزته في مساندة ودعم القضايا الاجتماعية التي تواجهه كمكافحة الفقر ورعاية الفئات الأقل حظاً وبناء قدرات الشباب وغيرها، فهذه الجوانب الثلاث بمثابة ممكنات تتكامل لتشكل قوة تدفع عجلة القطاع غير الربحي لتحقيق أهدافه التي يتطلع لها.

المراجع:

رؤية المملكة 2030.

لجنة الأوقاف بالغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية (2019). تقرير اقتصاديات الوقف.

مؤسسة الملك خالد (2018). آفاق القطاع غير الربحي.

مؤسسة الملك خالد ومركز جيرهارت. (2016). المؤسسات المانحة في المملكة العربية السعودية حقائق وإحصاءات.

الهيئة العامة للإحصاء. (2018). مسح منشآت القطاع غير الربحي.

وزارة الاقتصاد والتخطيط. (2018). نحو تنمية مستدامة للمملكة العربية السعودية، الاستعراض الطوعي الوطني الأول.

المنصة الوطنية الموحدة

https://www.my.gov.sa/

https://www.rand.org/

[1]  احتلت المملكة المركز الرابع ضمن قائمة أكبر البلدان المانحة بعد كلأً من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، وبلغت المساعدات ما بين عامي 2012-2017(38.24مليار دولار)، وهو ما يمثل 1,9 من الناتج القومي للمملكة* الاستعراض الطوعي الوطني الاول 2018